السلام زهرة بالعطر تسكر، من حديقة السكينة
الشيخ خالد بن تونس
جسر بين الشرق والغرب
وُلد خالد بن تونس، أكبر إخوته الأربعة عشر، وحفيد حفيد الشيخ أحمد العلّاوي (1874–1934)، في 19 نوفمبر 1949 بمستغانم (حي تجديت)، في جزائر ما تزال ترزح تحت الاستعمار وتعيش بدايات الكفاح من أجل الاستقلال.
نشأ في قلب إرث روحي حيّ، حيث تتحول العقيدة من مجرد أحكام إلى تجربة وجودية؛ أسلوب في العيش يقوم على اليقظة والاحترام والحضور، ويتجلى في بساطة الحياة اليومية.
وبإشراف والده، الشيخ الحاج المهدي (1928-1975)، تلقّى منذ صغره تعليمًا تقليديًا: القرآن، الشعر، النحو، والعلوم الدينية، بما يفتح أمامه رؤية كونية للإسلام تقوم على وحدة الحياة. وشارك في تأسيس الشبيبة الإسلامية العلاوية (JIA) لنقل هذا الإرث إلى الأجيال الصاعدة. وفي شبابه، سافر إلى أكسفورد وكامبردج ثم في فرنسا، موسعًا آفاقه بالاطلاع على التاريخ والقانون والثقافات المختلفة.
في سبعينيات القرن العشرين، شكّل لقاؤه بإيفلين روبِّس، وهي شابة كاثوليكية من إقليم نورماندي، منعطفًا حاسمًا في مسيرته. ومن هذا اللقاء التأسيسي وُلد مشروع مزدهر في مجال الملابس الجاهزة، أدخله على نحوٍ مستدام إلى عالم الأعمال والاستيراد والتصدير والإبداع، عند تقاطع الموضة وريادة الأعمال والانفتاح الدولي.
كما يرمز اتحادهما أيضًا إلى رفض الأعراف والتقاليد الجامدة السائدة في تلك المرحلة. ومن دون إدراكٍ كامل آنذاك لمدى أثرها، فتحت هذه الشراكة أفقًا جديدًا لإسلامٍ روحيٍّ إنسانيٍّ كونيّ، قائم على حوارٍ دائم مع الغرب.
وفي 24 أبريل 1975، عُيّن في سن الخامسة والعشرين الشيخ السادس والأربعين للطريقة العلاوية–الدرقاوية–الشاذلية. ولم يكن هذا الحدث مفاجئًا؛ فجدّه الشيخ الحاج عدة بن تونس (1898–1952) كان قد تبنّاه منذ ولادته، وتُثبت سجلات الحالة المدنية أنه الابن القانوني له، مما جعله في الوقت ذاته «ابنًا» و«أخًا» لوالده الحقيقي.
وقد عاش هذا الانتقال بمقاومة داخلية بوصفه لحظة فاصلة: من جهة، الطفولة المباركة بما فيها من براءة وأحلام كان عليه أن يودّعها، ومن جهة أخرى، المسؤوليات الثقيلة ومسار طويل نحو النور الداخلي، حيث تنكشف الحرية الحقيقية، وتجد كل واقعة معناها وموقعها. وأخيرًا سلّم قلبه لهذا النداء، عاقدًا العزم على حمل الإرث وتحويله إلى التزام في سبيل السلام والحوار والأخوّة الإنسانية. وسيقول لاحقًا:
«البيعة التي سأتلقاها ليست قابلة للتجديد، ولن تُنقض أبدًا.»
مهندس ثقافة العيش معًا بسلام
بصفته مرشدا للطريقة الصوفية العلاوية، ومؤسس الجمعية الدولية الصوفية العلاوية – المنظمة غير الحكومية والكشافة الإسلامية في فرنسا (SMF) وبأوروبا (هولندا، بلجيكا، إسبانيا وألمانيا)، يعمل الشيخ خالد بن تونس على بناء عالم أكثر تضامنًا، مؤمنًا بأن: «طاقة العالم هي الأخوة الإنسانية الأصيلة.»
ولعقود، شارك في لقاءات ومؤتمرات دولية حول قضايا العصر: الحوار بين الأديان والثقافات، التربية، الشباب، البيئة… حيث يُطلب رأيه بوصفه مرجعًا روحيًا وفكريًا.
وتجسدت التزاماته في مبادرات ملموسة في مجالات متعددة، منها: التنمية المستدامة مثل إعادة إدخال زراعة الأركان في الجزائر، إبراز دور المرأة في المجتمع، كما في المؤتمر الدولي النسائي من أجل ثقافة السلام – الكلمة للنساء (الجزائر، 2014)، على الساحة الدولية. تجلّى ذلك على وجه الخصوص من خلال مشاركته في ندوة اليونسكو «من أجل إسلامٍ للسلام» سنة 2001، وعبر اللقاءات التي نُظِّمت في مقرّ اليونسكو، وكذلك خلال القمة الإنسانية العالمية الأولى للأمم المتحدة (إسطنبول، 2016)، إضافةً إلى إطلاق جائزة الأمير عبد القادر للتعايش السلمي في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالم.
ومن رؤاه الرائدة مبادرة أدّت إلى إنجاز تاريخي عالمي: اعتماد الأمم المتحدة، في 8 ديسمبر 2017، بالإجماع من قِبل الدول الـ193، يوم 16 مايو بوصفه اليوم الدولي للعيش معًا بسلام (JIVEP). ومنذ ذلك الحين يُحتفل بهذا اليوم حول العالم، بدعم جهات كبرى: المرصد الدولي لرؤساء البلديات من أجل العيش معًا، الاتحاد الأفريقي، حركة عدم الانحياز… إضافة إلى تأييد شخصيات مرموقة مثل البابا فرنسيس والسكرتير السابق لمارتن لوثر كينغ، القسّ هاركورت كلاينفيلتر، وعددٌ من مشايخ الطرق الصوفية في العالم.
وتتجسد رؤيته في السعي إلى إدراج التربية لثقافة السلام في المناهج الدراسية، وهو ما تجلّى في مشاريع نموذجية كـمدرسة السلام في ألمير (هولندا) التي أدرجت مبادئ ثقافة السلام في صلب مشروعها التعليمي.
الإنسان في جوهره وعي. فكيف نغذّي هذا الوعي ليؤثّر فينا، في سلوكنا، وفي علاقتنا بالآخر.
طريق إلى السلام والحكمة
يُعدّ الشيخ خالد بن تونس كاتبًا ومربّيًا ومحاضرًا مرموقًا، ويمثّل إحدى الشخصيات البارزة في ميدان النقل الفكري والروحي. فهو وريث الطريقة الروحية العلاوية، وقد كرّس عقودًا طويلة لنشر فكرٍ راسخ في الحكمة الكونية للإسلام.
وتشهد مؤلفاته، المترجمة إلى عدّة لغات والمنتشرة على نطاق عالمي، على عمق رؤيته وقدرتها على ملامسة الضمائر، متجاوزةً الأصول والثقافات.
ومن بين أشهر كتبه: «التصوف في قلب الإسلام»، «علاج النفس»، و«الإسلام والغرب – مرافعة من أجل العيش معًا».
ومن خلال كتاباته — من كتبٍ ومقالاتٍ وقصائد — وكذلك من خلال محاضراته، يقدّم الشيخ قراءة هادئة ومنفتحة للتراث، قراءة تنخرط بعمق في القضايا الروحية والاجتماعية والاقتصادية والإيكولوجية المعاصرة. وهو يرسم طريقًا يقوم على الوسطية، حيث تُبنى السلام أولًا في داخل الإنسان، عبر المعرفة، والرفق، والاعتراف بالآخر في تنوّعه.
من الفكرٌ إلى عمل
يُعدّ الشيخ خالد بن تونس شخصية جامعة ذات تقدير دولي، إذ نال العديد من التكريمات، من بينها :
▪ جائزة «كونكورد المتوسّط» من اليونسكو (فالنسيا)، سلّمها له المدير العام الأسبق لليونسكو السيد فيديريكو مايور ثاراغوثا، تكريمًا لإسهامه في ترسيخ السلام وتعزيز التفاهم بين الثقافات (2017).
▪ جائزة ليزيستراتا «الضفة الجنوبية» من أجل التسوية السلمية للنزاعات عبر الوساطة (تونس)، مُنحت في إطار برنامج Med 21، بالشراكة مع عدد من المؤسسات الدولية العاملة في مجالي السلام والتكوين (2017).
▪ رتبة فارس في وسام الاستحقاق، منحه إياها رئيس الجمهورية الفرنسية (باريس)، تقديرًا لالتزامه بقيم التنوع والحوار والتماسك الاجتماعي (2017).
▪ جائزة ألبرت شفايتزر من الجمعية الدولية للحرية الدينية (واشنطن)، التي وضعته إلى جانب شخصيات عالمية مرموقة مثل كارين أرمسترونغ وقداسة الدالاي لاما (2018).
▪ جائزة الزنبق الدولي للعيش المشترك في سلام (مونتريال)، تقديرًا لدوره المحوري في اعتماد الأمم المتحدة لليوم الدولي للعيش معًا في سلام (2018).
▪ وسام “عهيد” من أوسمة الاستحقاق الوطني (الجزائر/باريس–اليونسكو)، تكريمًا لالتزامه العميق بالقيم الروحية والإنسانية للجزائر (2018).
▪ جائزة الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط، مكافأةً لجهوده في التقريب بين الشعوب، وتعزيز الحوار السياسي، والعمل على الحلّ السلمي للنزاعات (2022).
▪ ميدالية مدينة نيس، اعترافًا بأعماله وإنجازاته في خدمة السلام (2022).
جائزة الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط (2022) وجائزة السوسن الدولي للعيش معًا بسلام (2018).
وليست هذه الجوائز مجرّد علامات شرف؛ بل هي إشادة بفكرٍ متجسّد في العمل، وكلمة مُضيئة، ورسالة تبني جسور التواصل بين البشر، متخطّية الحدود الدينية والثقافية والجيلية. وهي تؤكّد كذلك البعد الكوني لرسالته والأثر الملموس لحياةٍ نذرها للحكمة والدفاع عن القيم الإنسانية.
يجسّد الشيخ خالد بن تونس نموذجًا لتصوّفٍ معاصر، عميق الجذور في التقليد، ومنفتح في الآن ذاته على آفاق المستقبل. فمن خلال أعماله وكتاباته، يندرج في سلسلة أولئك الذين يسعون إلى بناء عالمٍ أكثر عدلًا وأخوة، مُظهرًا أنّ الروحانية الحيّة تظلّ قوةً مُحوّلة قادرة على مواجهة تحدّيات العصر.
