أنا واحد من الأخوة، ممن يُعِدّون ويَتَرَقَّبون عودةَ عيسى عليه السلام.

الشيخ عدة بن تونس
01 الطفولة والتكوين
الشيخ عدة بن تونس (1898 - 1952)

التربية والتنصيب

وُلد عدة بن تونس سنة 1898 في مستغانم لأسرة بسيطة. وقد أدخله أخوه منور منذ طفولته إلى زاوية الشيخ أحمد العلاوي، فكانت تلك البداية المبكرة أساس علاقة روحية تكاد تكون بنوة مع مؤسس الطريقة العلاوية. وبعد تلقيه تعليماً دينياً كلاسيكياً (القرآن، الحديث، الفقه، النحو)، سيقول لاحقًا:

«رُبّيتُ منذ طفولتي على يد شيخنا المُعظّم، ربّاني في مدرسته، وعشت ما عاشه».

وسعت خدمته العسكرية في الجيش الفرنسي (1918-1921) – حيث أتقن اللغة الفرنسية وكان يعلّم رفاقه الذكر- من آفاقه. وبعد تسريحه برتبة رقيب، استكمل تكوينه سنة 1922 في جامعة الزيتونة بتونس. وقد منحتْه هذه التربية المزدوجة -المدرسة الروحية والتكوين الأكاديمي – الأدوات الفكرية التي أتاحت له لاحقًا الدفاع عن التصوف الأصيل في وجه النقد الإصلاحي.

منذ سنة 1923 أصبح مقدّمًا في مستغانم ومشرفًا على شؤون الزاوية، يلازم الشيخ العلاوي يوميًا في مراسلاته وعلاقاته بالمريدين والسلطات. وزواجه بخيرة بن عليوة، ابنة شقيق مؤسس الطريقة بالتبنّي، وطّد الصلة الروحية والرمزية بالسلسلة. وعند وفاة الشيخ العلاوي في 14 جويلية 1934 – بعد أن تبناه بمنزلة الابن وعيّنه وكيلاً على جميع ممتلكاته – أقرّ مؤتمر للمريدين بخلافته كمرشد روحي للطريقة.

أثار هذا الانتقال خلافًا داخل الجماعة؛ إذ اعترض عدد من المقدّمين الكبار على تعيينه، ونشأت انشقاقات دعمتها أحيانًا السلطات الاستعمارية رغبةً في إضعاف الطريقة. غير أنّ الشيخ عدة، بمعية زوجته لالة خيرة، نجح تدريجيًا في الحفاظ على وحدة السلسلة وأصالتها الروحية.

02 الأعمال والالتزام

روحانية وعمل اجتماعي

في جزائر مستعمرة تتغير بسرعة، جمع الشيخ عدة بين التربية الروحية والعمل الاجتماعي. فأسّس أول نادٍ لكرة القدم في مستغانم، وأنشأ جمعية التنوير، وفتح مدارس للتكوين المهني، إضافة إلى أول مدرسة حرّة لتعليم اللغة العربية في المدينة. وفي سنة 1941 استقبل في الزاوية عشرات الأحداث الخارجين من السجون، في مبادرة تُعدّ سابقة لأساليب إعادة الإدماج الحديثة. وبعد عودته من الحج سنة 1939، أسس الجمعية العلاوية للوعظ والإرشاد التي كثّفت المؤسسات التربوية.

سياسيًا، حافظ على حياد فعّال يضمن للطريقة استقلاليتها الروحية. ويقول مانويل شابري إن هدفه كان: «إقامة دور للطُرق الصوفية في نهضة الإسلام الجزائري في صورته الأصيلة، بعيدًا عن البدع المجلوبة من الإصلاحية».

وكان مُنشداً ذا صوت فريد، يعدّ أفضل مُسمِّع في الزاوية، ولا تزال قصائده الصوفية تُرتّل في الطرق العالمية. وتجلّت رؤيته الكونية في كلمته سنة 1952 بـ«منارة تونس:

«نظريتنا هي عودة الإنسانية جمعاء إلى الأخوة والسلام من خلال ترسيخ الأخلاق الحسنة».

وفي عهده، واصلت الطريقة العلاوية انتشارها في فرنسا والمغرب وتونس والشرق الأوسط وإنجلترا، لتصبح من أوائل الطرق الصوفية المؤسسة في الغرب. وتؤكد المؤتمرات الكبرى في 1946 و1947، التي جمعت آلاف المريدين، قدرته على توحيد مجتمع دولي واسع.

تقريب القلوب في محبة الله، بمحبة جميع الأنبياء واحترام جميع المعتقدات

03 آثاره

في خدمة الحوار

تعكس كتاباته جمعًا بين الحفاظ على التراث والتجديد فيه. وتُعدّ الروضة السنية في المآثر العلاوية – وهي سيرة الشيخ أحمد العلاوي – مرجعًا أساسيًا اعتمد عليه مارتن لينغز. وفي مواجهة النقد الإصلاحي، أعاد إحياء مجلة لسان الدين (1936- 1939) كمنبر للدفاع عن التصوف الحقيقي، ثم أسّس مجلة المرشد سنة 1946، وهي شهرية ثنائية اللغة (عربية-فرنسية) انتشرت في الجزائر وخارجها.

أما مبادرته الأكثر جرأة فكانت تأسيس جمعية محبي الإسلام (1947-1952)، وهي أول مبادرة للحوار الديني في المغرب العربي. وقد استلهمها من رؤية للشيخ العلاوي، وهدفها «تقريب القلوب بمحبة جميع الأنبياء واحترام جميع المعتقدات». جذبت هذه المبادرة شخصيات جزائرية وأوروبية، وقادت ورشة واسعة لترجمة أعمال المؤسس، أشرف عليها خصوصًا عبد الله رضا (ألفونس إيزارد).

04 الشهادات والآثار الروحية

شيخ مُربٍّ منفتح على العالم

يرى إميل دمرغام (1892-1971)، أحد أبرز دارسي التصوف المغاربي، أنه «شيخ مُربٍّ منفتح على العالم». ويصفه جان بيس، الذي التقى به سنة 1952، في كتابه دروب الحكماء (1996) بأنه «كان يتنفس التواضع والمحبة والصبر واللطف والبساطة». وجمع ليون لانغلي تعاليمه في كتاب هكذا قال لي الشيخ سيدي الحاج عدة. ويشهد محمد قدّاس، مبعوث المؤتمر الروحي العالمي سنة 1952: «يحظى في الأوساط المسيحية بعطف دافئ، وتقدير واحترام لا نظير لهما».

وعند وفاته سنة 1952، حتى السلطات الاستعمارية أقرت بصدق مسيرته؛ إذ كتب العقيد شون: «لم ينضمّ القادة العلاويون قطّ إلى أي حزب سياسي. إنها طريقة غير رجعية، تحركها حرارة إيمانية صادقة».

يجسد الشيخ عدة بن تونس استمرارية الطريقة العلاوية وانفتاحها. فهو وارث الشيخ العلاوي، حافظ على وحدة الجماعة، وكيّفها مع التحديات الاجتماعية والثقافية لعصره. وتشهد أعماله التربوية ومؤلفاته ومبادراته في الحوار الديني على صوفية حيّة، متجذرة في التراث ومفتوحة على العالم.

To keep connected with us please login with your personal info.

New membership are not allowed.

Enter your personal details and start journey with us.