أُدْنُ يَـا عَـاشِــقْ إنْ كُنْـتَ صَــادِقْ لِلسِّــوَى فَــارِقْ تَغْنَــمِ الْوَصْـلاَ
الشيخ البوزيدي
المنفى والبداية الروحية
وُلد محمد بن الحبيب البوزيدي سنة 1824 في جنان تكارلي قرب مستغانم، في أسرة شريفة منتمية إلى الطريقة الدرقاوية. وقد لقّنه والده، وهو عالم محترم، أسس التربية القرآنية والأخلاق الصوفية القائمة على التواضع ومجاهدة النفس.
شكّل سقوط مستغانم بيد الفرنسيين سنة 1833 منعطفًا حاسمًا؛ إذ اختارت كثير من الأسر الهجرة، بينما بقيت أسرته دعمًا لمقاومة الأمير عبد القادر (1808-1883)، إيمانًا منها بأن التخلي عن الجهاد الروحي هو الخطر الحقيقي.
تعرض البوزيدي للسجن بشبهة التعاطف مع المقاومة، ثم لجأ إلى تلمسان. وهناك، عند ضريح سيدي أبي مدين، رأى رؤيا ستوجّه مصيره: فقد بدا له الوليّ في المنام وأمره بالذهاب إلى المغرب تحت رعايته.
وفي سنة 1864 التقى بالشيخ محمد بن قدور الوكيلي، ثاني رجال السلسلة بعد الشيخ مولاي العربي الدرقاوي، وذلك في جبال كركر. صار من أقرب مريديه، ولازمه عشرين سنة كاملة، حتى نال منه الإجازة الروحية. وبقي وفيًّا لعهد شيخه، فلم يعد إلى مستغانم إلا حوالي سنة 1889 حاملًا وديعة روحية تؤهله للتربية والتوجيه.
امشِ بتواضع، حتى وإن حملتك خطواتك عالياً، فالجبل الشامخ نشأ من غبار يسير.
الخمول والحلم
عاد البوزيدي إلى مستغانم واختار العزلة والسكينة، فعكف على التدريس في مدرسة قرآنية. وكان يجسد الروح الملامتية القائمة على طلب الخمول والتخفي. وقد أخبر مريده الشيخ العلاوي أنّ النبي ﷺ أمره في المنام بالصمت، مما يعزز اختياره للانزواء.
ارتكز تعليمه على ثلاثة أركان: الفناء، مجاهدة الهوى ودوام الذكر في كل حال. وكان يميل إلى البساطة، ويستعمل الدعابة، ويتحلّى بصبر عظيم أمام الابتلاءات.
كان محيطه يتكوّن من نحو عشرين مريدًا من أسر معروفة، واتّسمت جماعتهم بالمسالمة تجاه السلطات الاستعمارية. لم يكن ذلك خضوعًا أو ممالأة، وإنما استراتيجية للحفاظ على السند الروحي في زمن اشتدت فيه الرقابة.
تميّز البوزيدي بانخراطه في خدمة المهمّشين؛ فكان يزور المواخير لتعليم النساء المنحرفات، ويحثّ مريديه على الزواج منهن، قائلاً: “إخراجُ الخلق من النار أعظمُ أجرًا من موعظة الصالحين”. وتكشف هذه الرؤية عن روحانية لا تنفصل عن العمل الاجتماعي؛ فالتزكية عنده لا تكتمل إلا بخدمة الخلق.
كان اللقاء بأحمد بن مصطفى بن عليوة سنة 1894 نقطة تحول كبرى. فبعد رؤيا رأى فيها جمعًا من المريدين يسبّحون بمسبحته، خرج البوزيدي من خلوته. وفي سنة 1895، أعلن العالم التونسي محمد المدني الصفّاقسي، لما لمس من نورانيته، اعترافه به قطبًا لزمانه.
الإرث الشعري
اقتصر تراثه المكتوب على ديوان شعري وسيرة ذاتية. ويتألف الديوان من ثلاثة أقسام: السرّ الإلهي، المدائح النبوية وآداب السلوك.
ويعكس شعره نفَسًا صوفيًا عميقًا.
تتسم أبياته بروح التواضع والزهد، تُجمل تعليمات شيخٍ جسّد قيم الشاذلية حتى النهاية: الفناء عن النفس، والزهد في الجاه، وتقديم التجربة الباطنية على مظاهر الخارج.
استمرار السلسلة
إدراكًا منه لضرورة توسيع نطاق الدعوة، هيّأ الشيخ أحمد العلاوي للخلافة. وقد كانت إشارته إليه لطيفة غير مباشرة، إذ قال له: “قد آن أوان الكلام، وهداية الناس إلى هذه الطريق”. فلما أبدى العلاوي ترددًا، أجابه: “أنتَ كالأسد؛ حيث وضعتَ يدك كنتَ سيدًا”.
وقد أكد الشيخ العلاوي نفسه هذا المعنى أمام مريديه، قائلاً إن كل ما بلغه من انتشار الطريقة، وكثرة المريدين، وفتوحاته الروحية، إنما هو من بركة شيخه البوزيدي. وبإقراره بأن نوره إنما هو امتداد لفناء شيخه، رسّخ مكانة البوزيدي الذي مهد الطريق لولادة الطريقة العلاوية.
ولما توفي سنة 1909، أمّ الشيخ العلاوي صلاة الجنازة عليه، وتولى من بعده تأسيس الطريقة العلاوية التي امتد إشعاعها إلى العالم. ويمثل الشيخ محمد البوزيدي حلقة وصل بين التصوف المغاربي الكلاسيكي وضرورات التكيف مع الواقع الاستعماري.
بعضُ المقتطفاتٍ من الديوانِ الشِّعريّ
تلخِّص قصائده رسالته الروحية: كسرُ الأنا، والثباتُ على التواضع، والتوجّهُ إلى الله وحده، والتجرّدُ من ظواهر الدنيا.
منها
لَـوْ عَرَفُوا عُذَّالِــي حَقِيقَـــةَ الْوِصَــــالِ
لَصَارُوا مِثْــلَ حَالِـــي وَ لَكِنْ جَرَى الْمَقْدُورْ
فَإِذَا السِّــرُ بَــدَا مِـنَ الْغَيْــبْ لِلشَّهَــادَة
إِحْتَــــرَقَ الْفُـــؤَادَ وَ امْتَحَقَ جَبْلُ الطُّورْ
وله أيضا
أَنَا الْبَحْرُ الْوَاسِعْ أَنَا هُـوَ الْخَمَّــارْ
نَسْقِي كُـلَّ سَامِـعْ كُـؤُوسَ اْلأَسْــرَارْ
فَكُنْ لِـي تَابِـع تُرْفَعْ عَنْكَ اْلأَسْتَارْ
يَذْهَبْ عَنْكَ الْمَانِـعْ تُشَـاهِـدُ أَنْــوَارْ
وصية للمريد
كُـنْ وَالَــهْ تَايَـهْ مَسْرُورْ بِذِكْــرِ اللهْ
فِي اْلإِسْـمْ إِذَا تَفْـنَى تَصِـلْ لِمُسَمَّـــاهْ
إِذَا ذْكَـرْتـه بَـادَرْ بِالْجَدّْ وَالْحَزْمْ مْعَـهْ
كُــنْ للهْ بِـــاللهْ فِي اللهْ وَالْغَيْرْ انْسَهْ
ومنها أيضا
اللهَ اللهَ قَـوْلِـي لاَ نَخْشَى مِنْ عُذَّالِـي
أُذْكُـرْهُ يَـا خِلِّـي تَنَـلِ الْعِـرْفَــانِ
هُوَ هُوَ شُغْـلِـي نَهَـارِي وَ لَيْلِــي
هُوَ ذَاتِـي وَ نَفْلِـي يَا جَمْـعَ اْلإِخْـوَانِ
