مرحبًا بكم في هذا المعرض الرقمي المكرَّس لاستكشاف الإرث الروحي الذي تشكّل، على امتداد القرون، في قلب الموروث الإسلامي.
منذ البدايات الأولى للإسلام، ظهرت طرق متعددة للسير الباطني والحِكمة، أسهمت كلٌّ منها، بطريقتها الخاصة، في إضاءة مسيرة الإنسان في بحثه عن المعنى، واليقظة الداخلية، والتوحيد. حملها نساء ورجال في سعيهم وراء الحقيقة، وارتكزت على التجربة الحية لمشايخ معترف بهم، فنسجت بذلك تاريخًا متنوعًا، دائم الحركة، ومتجاوبًا باستمرار مع تحديات زمانه.
لقياس مدى اتساع هذا التاريخ المتنوع، نبرز محطة رئيسية تتمثل في خريطة للطرق الصوفية لعام 1897.
نُشرت هذه الخريطة في الجزائر على يد أوكتاف ديبون وزافييه كوبولاني، وتُعدُّ مرجعًا أساسيًا لا غنى عنه في دراسة التصوف وتفرعاته الجغرافية. ويقدّم هذا العمل أول عرض شامل حقيقي لانتشار الطرق الصوفية الرئيسية على مستوى العالم الإسلامي، من المغرب العربي إلى آسيا الوسطى.
يستعرض هذا العمل خمس وأربعين طريقة صوفية رئيسية، منها ثلاث وعشرون موجودة في الجزائر، ويعيد رسم ديناميات انتشارها من مراكزها الأصلية (بغداد، فاس، القاهرة…) إلى مراكزها الروحية. يصور هذا العمل التصوف الطرقي في أوجه ازدهاره، عشية التحولات العميقة التي أحدثها الاستعمار والحداثة، مشهدًا يبرز الكثافة الاستثنائية للشبكات الروحية العابرة للحدود عند مطلع القرن العشرين.
وفي هذا السياق، ندعوكم لأن ترافقونا في مسيرتنا هذه. تجوّلوا في المسار الزمني التفاعلي، ودعوا أنفسكم تُقاد عبر هذا التراث الحيّ الذي عرف، من قرن إلى قرن، كيف يُجدّد روحه دون أن يتخلى عن جوهره؛ تراثٌ حمل رسالة إنسانية كونية، وحكمةً صاغها مشايخ كانوا أمناء على حفظها وصونها ونقلها.
يبدأ هذا المعرض بأحدث مسارات هذه السلسلة الروحية، وهي الطريقة العلاوية، مع إيلاء التقدير للموروث السابق التي ساهم في ترسخها، مثل الطريقة الشاذلية، التي نشأت في القرن الثالث عشر، والطريقة الدرقاوية، التي ازدهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وُلدت الطريقة العلاوية في مستغانم عام 1909، وتمتد جذورها في بيئة روحية واجتماعية وثقافية ثرية للغاية. وهنا، على هذا الساحل المضياف للبحر الأبيض المتوسط، انفتح مسار للسير الباطني والانخراط الروحي، مُقدَّر له أن يشعّ تأثيره بعيدًا إلى ما وراء الحدود.
من الشيخ أحمد العلاوي (1874-1934)، المؤسس البصير للطريقة، إلى الشيخ خالد بن تونس، المرشد الحاضر، مرورًا بالشيخ البوزيدي (1824-1909)، والشيخ عدة بن تونس (1898-1952)، والشيخ الحاج المهدي (1928-1975)، أطلق كل واحد من هؤلاء المشايخ نفَسًا روحيًا جديدًا، يصل بين يقظة الوعي بالذات وبين المسؤولية المشتركة تجاه الإنسان والإنسانية.
ومن خلال أرشيفات نادرة، وشهادات حيّة، وأعمال فنية وروحية، ومبادرات معاصرة، ينسج هذا المسار التفاعلي رحلة تجمع بين الزمن والروح، تكشف كل محطة فيها وجهًا من وجوه الطريقة، ولحظة من لحظات السند، وإجابة على تحديات المرحلة.
وفي ثنايا هذا النسيج الذي يجمع الذاكرة بالرؤية، يسطع أيضًا وهج نصف قرن من الإرشاد الذي يقدّمه الشيخ الحالي، في حوار مستمر مع قضايا عصره.
ليست هذه الرحلة مجرد استعادة للماضي، بل هي جسر حيّ بين الذاكرة والمستقبل؛ عبور نحو الجوهر: أن نشعر، وأن نفهم، وأن نتأمل، وأن نعمل من أجل عالم يغمره المعنى، وتظلّله الأخوّة، ويسكنه السلام.
تبدأ رحلتكم الآن. نتمنى أن تتيح لكم هذه الزيارة الافتراضية اكتشافات رائعة، عبر الأعمال والقصص المعروضة.
